حسن الأمين
43
مستدركات أعيان الشيعة
بالحسنى حتى بلغ ضفاف نهر يمر بالقرب من بستان فعسكر هناك . وكان علاء الدولة قد أدرك خطورة وضعه فقسم عائلته وذويه إلى مجموعتين ، وبعث بإحداهما إلى الشام التي كانت آنذاك تابعة لحكومة سلطان مصر وبعث بالأخرى إلى الأراضي العثمانية ، ثم توجه بعدد من أبطال ذو القدر إلى جبل درنا وهو من أعلى الجبال في تلك المنطقة فاعتصم به . واجتمع زعماء قبيلة ذو القدر فقرروا التصدي لشاه إيران ، وعسكروا بقواتهم بإزاء قوات القزلباش في اليوم الثالث من نزول القوات الأخيرة على ضفاف نهر بستان . ودارت معركة ضارية بين الطرفين ، استمرت حتى حلول الليل ، وعاود الجيشان الكرة في اليوم التالي دون أن يحرز أحدهما نصرا على خصمه ، حتى كان اليوم الثالث فلم يكد ينتصف النهار حتى أخذ جنود ذو القدر يولون الأدبار . وتعقبهم القزلباش فاعملوا فيهم السيف . ودخل الجيش الفاتح ديار أعدائه ، فطفقوا يقتلون ويدمرون ويحرقون ، حتى دب الذعر في نفوس الناس من سكان الولايات المجاورة فاعلنوا دخولهم في طاعة ملك إيران . وتوجهت قوات القزلباش بعد ذلك إلى مدينة خربوت الحصينة التي كانت مركزا لتجمع قبيلة ذو القدر ، فضرب عليها حصارا شديدا ووقعت مناوشات بين الجانبين ثم أفلح القزلباش في إحداث ثغرة في حصن المدينة فاقتحموها وأعطى الشاه إسماعيل الأمان لأهلها فخرجوا من مدينتهم أفواجا وسلموا على الشاه ودخلوا في طاعته . وبلغ خبر مدينة خربوت الولايات المجاورة فبادر جميع حكام ولايات ديار بكر إلى إرسال مفاتيح مدنهم وقلاعهم مرفقينها بالهدايا والتحف إلى الشاه إسماعيل ، فشملهم بعطفه وإحسانه وأجزل لهم العطاء ثم عين خان محمد استاجلو وهو أحد كبار قادته حاكما على ديار بكر ، وغادر المنطقة بعد ذلك متوجها إلى ولاية أخلاط ، فاقبل عليه في أثناء الطريق شرف الدين بيك وهو أحد أكبر حكام كردستان ومركزه مدينة بتليس محملا بأصناف التحف والهدايا ، فرحب الملك بقدومه وقربه من مجلسه . وتوجه محمد بيك استاجلو ببضعة آلاف من قواته إلى مدينة حميد فغلق حاكمها قاشميش بيك أبوابها دونه واضطر محمد خان للعسكرة في الصحراء فواجه لعدة أيام ظروفا قاسية لشحة المؤن والعلف ، ومع هذه الظروف كانت قبائل الأكراد تهاجم عسكره . ولم ير محمد خان بدا من مهاجمة الأكراد فدارت معركة ضارية بين الجانبين قتل فيها سبعة آلاف من الأكراد ، وكان النصر حليف محمد خان فغنم منهم ذخيرة كثيرة ومئونة كافية لأفراد جيشه . وأعاد محمد خان الكرة على مدينة حميد ، فبعث حاكمها أحد خواصه إلى علاء الدولة ذو القدر يستمده العون والمدد ويتعهد له بتسليمه المدينة ، فراقت الفكرة علاء الدولة ، وطمح إلى السيطرة على مدينة حميد رغم انهزامه بوجه قوات القزلباش . وكان الطقس شديد البرودة ، فبعث ابنه قاسم بيك المعروف بساروقيلان وابنه الآخر أردوان بيك في جيش مؤلف من عشرة آلاف مقاتل . ولم يكن محمد خان استاجلو يمتلك عددا كافيا من القوات للتصدي للزاحفين فوقف بقبيلة استاجلو ودارت معركة قاسية بين المتحاربين وقع فيها الكثير من الضحايا ، ثم وقع ساروقيلان المعروف بشجاعته وبسالته وأخوه أردوان بيك في أسر قوات القزلباش ، فاضطربت صفوف قواتهما وأخذت بالتقهقر رغم كثرة عددها ، وأخذ القزلباش يتعقبونها ويقتلون العديد من أفرادها ، ثم أمر استاجلو بقتل الأميرين . وعاود محمد خان استاجلو هجومه على مدينة حميد مرة أخرى ، وتحصن بها حاكمها قاشميش بيك واستعد للدفاع ، ولكن أهلها رفضوا الانصياع له ففتحوا الأبواب بوجه قوات القزلباش ، فألقي القبض على قاشميش بيك موصلو وقتل ، وخلا الجو في ديار بكر لمحمد استاجلو وقويت شوكته وازدادت هيبته . وبلغت علاء الدولة أخبار مقتل ابنيه وهزيمة جنده فثارت ثائرته ، وباشر بحشد قوات ذو القدر مرة أخرى فجمع منها خمسة عشر ألف مقاتل وسيرهم تحت قيادة ابنيه كور شاه رخ وأحمد بيك للانتقام من عدوه وأخذ الثار لابنيه القتيلين . واستعد محمد خان للقاء عدوه في ثلاثة آلاف مقاتل من القزلباش ، ودارت معركة بين الطرفين تطايرت فيها الرؤس وسالت الدماء كالأنهار ، وأخذ محمد خان يشن حملاته المتكررة على قلب جيش العدو حتى اخترقه ووصل إلى مقر كور شاه رخ وأحمد بيك فقتلهما وقتل العديد من أصحابهما ، وعند ما رأت القوات تشتت قلبها ومقتل قائديها ، أخذت تفر على وجهها وتعقب القزلباش الهاربين فاهلكوا منهم خلقا كثيرا . وبعث محمد استاجلو رؤوس القتلى إلى المرشد الكامل الشاه إسماعيل الصفوي . وبعد إلحاق الهزائم المتوالية بعلاء الدولة وقتل أبنائه وذويه ، وهنت شوكته وقل خطره في أعين أعدائه ، فاغتنم السلطان الفرصة وكان بينهما عداء قديم فهاجمه وقتله ، فانتهت سلالته بموته وافترقت قبيلة ذو القدر فرقتين ، التحقت واحدة بالسلطان العثماني وانضمت الأخرى إلى أنصار الشاه إسماعيل حيث ارتدوا قبعات القزلباش ودخلوا في